جدول المحتويات
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، مَن يَهْدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضْلِل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
رحمة النبي للعالمين
عباد الله، اتَّقوا الله تعالى، واعلموا أن الله أرسل محمدًا رحمةً للعالمين، قال الله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107]، فالمؤمنون به قَبِلُوا هذه الرحمة وشكروها، وغيرهم كَفَرَها، وبَدَّلوا نعمة الله كفرًا، وأَبَوا رحمة الله ونعمته[1].
ومما يدل على أنَّ رحمة النبي عامةٌ للعالم: حديث أبي هريرة قال: "قيل: يا رسول الله، ادعُ على المشركين"، قال : إني لم أُبْعَث لَعَّانًا، وإنما بُعِثْتُ رحمةً[2].
وجاء في الحديث عن أبي هريرة ، عن النبي أنه قال: إنما أنا رحمةٌ مُهْدَاةٌ[3].
وقد قال : أنا محمدٌ، وأحمد، والمُقَفِّي[4]، والحاشر[5]، ونبي التوبة، ونبي الرحمة[6].
رحمة النبي بالأعداء
شملتْ رحمتُه الأعداء، حتى في قتالهم ومُجاهدتهم؛ فإنَّ قوة الجهاد في سبيل الله تعالى في شريعته لها ضوابط ينبغي أن يلتزم بها المُجاهدون في سبيل الله تعالى، ومن ذلك قوله تعالى: وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [البقرة:190].
النَّهي عن الإفساد في الحرب
يدخل في ذلك: ارتكاب المَنَاهي من: المُثْلَة، والغُلُول، وقتل النساء والصبيان والشيوخ الذين لا رأي لهم ولا قتال، والرُّهْبَان، والمرضى، والعُمْي، وأصحاب الصوامع، لكن مَن قَاتَلَ من هؤلاء أو استعان الكفار برأيه قُتِلَ[7].
ويدخل في ذلك: قتل الحيوان لغير مصلحةٍ، وتحريق الأشجار، وإفساد الزُّروع والثِّمار والمياه، وتلويث الآبار، وهدم البيوت[8].
وقد وُجِدَت امرأةٌ مقتولةً في بعض مغازي رسول الله ، فنهى رسول الله عن قتل النساء والصبيان[9].
ولهذا كان إذا أمَّر أميرًا على جيشٍ أو سَرِيَّةٍ أوصاه في خاصته بتقوى الله، ومَن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال: اغْزُوا بسم الله في سبيل الله، قاتلوا مَن كَفَرَ بالله، اغْزُوا ولا تَغُلُّوا[10]، ولا تَغْدِرُوا، ولا تُمَثِّلُوا[11]، ولا تقتلوا وليدًا، وإذا لقيتَ عدوَّك من المشركين فَادْعُهم إلى ثلاث خصالٍ -أو خلالٍ- فأيَّتُهُنَّ ما أجابوك فاقبل منهم وكُفَّ عنهم، ثم بيَّنها : الإسلام، أو بذل الجزية، فإن امتنعوا عن ذلك كله استعان بالله وقاتلهم[12].
الوفاء بالعهد وترك الغدر
كان النبي يُوفي بالعهد ولا يَغْدِر؛ لقول الله تعالى: وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ [الأنفال:58].
ولهذا قال سُلَيم بن عامرٍ: كان بين معاوية وبين الروم عهدٌ، وكان يسير نحو بلادهم، حتى إذا انقضى العهد غزاهم، فجاء رجلٌ على فَرَسٍ أو بِرْذَونٍ[13] وهو يقول: "الله أكبر، الله أكبر، وفاء، لا غَدْر"، فنظروا فإذا عمرو بن عَبَسَة ، فأرسل إليه معاوية فسأله، فقال: سمعتُ رسول الله يقول: مَن كان بينه وبين قومٍ عهدٌ فلا يَشُدَّ عُقْدَةً ولا يَحُلَّها حتى ينقضي أَمَدُها، أو يَنْبِذَ إليهم على سواءٍ، فَرَجَعَ معاوية [14].
وهذا كله يدل على أن الهدف والمُراد من الجهاد هو إعلاء كلمة الله .
أمثلةٌ من رحمته بأعدائه
من الأمثلة العظيمة على هذه الرحمة التي شملتْ أعداءه : قصته مع مَلَك الجبال حينما بعثه الله إليه؛ ليأمره بما شاء، عندما آذاه المشركون، فجاء مَلَكُ الجبال وسلَّم عليه وقال: يا محمد، إن الله قد سَمِعَ قول قومك لك، وأنا مَلَكُ الجبال، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك، فما شئتَ؟[15] إن شئتَ أن أُطْبِقَ عليهم الأَخْشَبَين -والأَخْشَبان: جبلان عظيمان في مكة، تقع مكة بينهما- فقال رسول الله لِمَلَك الجبال: بل أرجو أن يُخْرِج الله من أصلابهم مَن يعبد الله وحده لا يُشْرِك به شيئًا[16].
ومن الأمثلة العظيمة لرحمته : حديث أنسٍ قال: كان غلامٌ يهوديٌّ يَخْدُمُ النبيَّ ، فَمَرِضَ، فأتاه النبيُّ يَعُوده، فقعد عند رأسه، فقال له: أَسْلِمْ، فنظر إلى أبيه وهو عنده، فقال له: "أَطِعْ أبا القاسم"، فأسلم.
وفي رواية النسائي: فقال: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله"[17].
فخرج النبيُّ وهو يقول: الحمد لله الذي أنقذه من النار[18]، وفي رواية أبي داود: أنقذه بي من النار[19].
وغير ذلك كثيرٌ.
رحمته بالمؤمنين
كان رحيمًا بالمؤمنين، قال الله تعالى: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128].
فقد بَعَثَ الله تعالى النبيَّ للناس كافةً، وهو من أَنْفُس المؤمنين خاصةً؛ يعرفون حاله، ويتمكنون من الأخذ عنه، وهو في غاية النُّصح لهم، والسعي في مصالحهم، ويشقُّ عليه الأمر الذي يشقُّ عليهم، ويُحِبُّ لهم الخير، ويسعى جاهدًا في إيصاله إليهم، ويحرص على هدايتهم إلى الإيمان، ويكره لهم الشَّر، وهو شديد الرأفة والرحمة بهم، أرحم بهم من والديهم؛ ولهذا كان حقُّه مُقدَّمًا على سائر حقوق الخلق، وواجبٌ على الأمة الإيمان به، وتعظيمه، وتعزيره، وتوقيره[20].
وقال الله : النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ [الأحزاب:6]، أقرب ما للإنسان نفسُه، فالرسول أولى به من نفسه؛ لأنه بَذَلَ لهم النُّصح والشَّفقة والرأفة؛ فلذلك وجب على العبد إذا تعارض مُراد نفسه مع مُراد الرسول أن يُقَدِّم مُراد الرسول ، وألا يُعَارِضَ قول الرسول بقول أحدٍ من الناس، كائنًا مَن كان، وأن يُقَدِّم محبته على محبة الناس كلهم[21].
وقال : فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ [آل عمران:159].
مظاهر رحمته في المجتمع
رحمته للناس جميعًا
عن جرير بن عبدالله قال: قال رسول الله : مَن لا يَرْحَم الناسَ لا يَرْحَمْه الله [22].
وعن أبي هريرة قال: سمعتُ أبا القاسم يقول: لا تُنْزَع الرحمة إلا من شَقِيٍّ[23].
وعن عبدالله بن عمرٍو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله : الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا مَن في الأرض يَرْحَمْكم مَن في السماء، الرَّحِم شِجْنَةٌ من الرحمن[24]، فمَن وَصَلَها وَصَلَه الله، ومَن قَطَعَها قَطَعَه الله[25].
رحمته بالصبيان
من رحمته : رحمته بالصِّبْيَان، فعن أنس بن مالكٍ قال: جاء شيخٌ يريد النبيَّ ، فأبطأ القوم عنه أن يُوَسِّعوا له، فقال النبي : ليس منَّا مَن لم يَرْحَمْ صغيرنا، ويُوَقِّرْ كبيرنا[26].
رحمته بالبنات
منها: رحمته بالبنات، فعن أبي سعيدٍ الخدري قال: قال رسول الله : لا يكون لأحدٍ ثلاثُ بناتٍ، أو ثلاثُ أخواتٍ، أو ابنتان، أو أختان، فَيَتَّقي الله فيهنَّ، ويُحْسِن إليهنَّ إلا دَخَلَ الجنة[27].
رحمته بالأيتام
منها: رحمته بالأيتام، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله : كافل اليتيم -له أو لغيره- أنا وهو كَهَاتَيْن في الجنة، وأشار مالكٌ -أحد رواة الحديث- بالسَّبابة والوسطى[28].
وعن أبي هريرة : أن رجلًا شكا إلى رسول الله قسوة قلبه، فقال له: امسح رأس اليتيم، وأَطْعِم المسكين[29].
رحمته بالمرأة والضعيف
منها: رحمته بالمرأة والضعيف، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله : اللهم إني أُحَرِّج حقَّ الضَّعيفين[30]: اليتيم والمرأة[31].
وعن عمرو بن الأحوص : أنه شهد حَجَّة الوداع مع رسول الله ، فَحَمِدَ الله وأثنى عليه، وذَكَّر ووعظ، ثم قال: استوصوا بالنساء خيرًا؛ فإنهنَّ عندكم عَوَانٍ[32]، ليس تملكون منهنَّ شيئًا غير ذلك[33].
رحمته بالأرملة والمسكين
منها: رحمته بالأرملة والمسكين، فعن أبي هريرة قال: قال النبي : السَّاعي على الأرملة والمسكين كالمُجاهد في سبيل الله، أو القائم الليل، الصائم النهار[34]، ولفظ مسلمٍ: السَّاعي على الأرملة والمسكين كالمُجاهد في سبيل الله، وكالقائم لا يَفْتُر، وكالصائم لا يُفْطِر[35].
وعن عبدالله بن أبي أوفى قال: كان رسول الله يُكْثِر الذكر، ويُقِلُّ اللَّغْو، ويُطِيل الصلاة، ويقصر الخُطْبة، ولا يَأْنَف أن يمشي مع الأرملة والمسكين فيقضي له الحاجة[36].
رحمته بطلاب العلم
ومنها: رحمته بطلاب العلم والشَّفقة عليهم، فعن أبي سعيدٍ ، عن رسول الله قال: سيأتيكم أقوامٌ يطلبون العلم، فإذا رأيتُموهم فقولوا لهم: مرحبًا، مرحبًا بوصية رسول الله ، واقْنُوهم، قلتُ للحَكَم: ما اقْنُوهم؟ قال: عَلِّمُوهم[37].
رحمته بالأسرى
ومنها: رحمته بالأسرى، فعن أبي موسى قال: قال رسول الله : فُكُّوا العاني يعني: الأسير وأَطْعِمُوا الجائع، وعُودوا المريض[38].
وهذا الحديث فيه رحمة النبي بالأسرى المسلمين، والأمر بِفَكِّهم، والأمر بإطعام الجائع، وعيادة المريض.
رحمته بالمرضى
ومنها: رحمته بالمرضى والشفقة عليهم، فعن ثوبان قال: قال رسول الله : مَن عاد مريضًا لم يَزَلْ في خُرْفَة الجنة حتى يرجع، وفي روايةٍ: قيل: يا رسول الله، وما خُرْفَة الجنة؟ قال: جَنَاهَا[39].
وعن عليٍّ قال: سمعتُ رسول الله يقول: ما من مسلمٍ يَعُود مسلمًا غُدْوَةً إلا صلَّى عليه سبعون ألف مَلَكٍ حتى يُمسي، وإن عاده عَشِيَّةً إلا صلَّى عليه سبعون ألف مَلَكٍ حتى يُصبح، وكان له خريفٌ في الجنة[40].
وعن ابن عباسٍ رضي الله عنهما، عن النبي قال: مَن عاد مريضًا لم يَحْضُر أجلُه، فقال عنده سبع مِرَارٍ: أسأل الله العظيم ربَّ العرش العظيم أن يشفيك، إلا عافاه الله من ذلك المرض[41].
رحمته بالحيوان
ومنها: رحمته بالحيوان والطير والدَّواب، فعن أبي هريرة ، عن النبي : أن رجلًا وجد كلبًا يأكل الثَّرَى من العطش، فَسَقَاه؛ فغفر الله له، قالوا: يا رسول الله، وإنَّ لنا في البهائم أجرًا؟ قال : في كل كَبِدٍ رَطْبَةٍ أجرٌ[42]، وفي لفظٍ للبخاري: فشكر الله له فأدخله الجنة[43].
وعن ابن عمر رضي الله عنهما: أنه مَرَّ بِصِبْيانٍ من قريشٍ قد نَصَبُوا طيرًا أو دجاجةً يترامونها، وقد جعلوا لصاحب الطير كلَّ خاطئةٍ من نَبْلِهم، فلما رأوا ابن عمر رضي الله عنهما تفرَّقوا، فقال ابن عمر رضي الله عنهما: مَن فَعَلَ هذا؟ لَعَنَ الله مَن فَعَلَ هذا؛ إنَّ رسول الله لَعَنَ مَن اتَّخذ شيئًا فيه الروح غَرَضًا[44].
وعن ابن مسعودٍ قال: كنا مع رسول الله في سَفَرٍ، فانطلق لحاجته، فرأينا حُمَّرَةً[45] معها فَرْخَان، فأخذنا فَرْخَيْها، فجاءت الحُمَّرَة فجعلتْ تُفَرِّش[46]، فجاء النبي فقال: مَن فَجَعَ هذه بولدها؟ رُدُّوا ولدها إليها.
ورأى قرية نملٍ قد حرَّقناها، فقال: مَن حرَّق هذه؟ قلنا: نحن. قال: إنه لا ينبغي أن يُعَذِّب بالنار إلا ربُّ النار[47].
وعن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما: أن النبي مَرَّ على حمارٍ قد وُسِمَ في وجهه فقال: لَعَنَ الله الذي وَسَمَه[48].
وعنه : نهى رسول الله عن الضرب في الوجه، وعن الوسم في الوجه[49].
وعن عبدالله بن جعفرٍ رضي الله عنهما قال: أَرْدَفَنِي رسول الله خلفه ذات يومٍ. وفيه: فدخل حائطًا لرجلٍ من الأنصار، فإذا جَمَلٌ، فلما رأى النبيَّ حَنَّ وذَرَفَتْ عيناه، فأتاه النبيُّ فَمَسَحَ ذِفْرَاه[50]، فسكت، فقال : مَن ربُّ هذا الجمل؟ لِمَن هذا الجمل؟ فجاء فتًى من الأنصار فقال: لي يا رسول الله. قال: أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي مَلَّكك الله إياها؟ فإنه شكا إليَّ أنك تُجِيعُه وتُدْئِبُه[51].
رِقَّة قلبه وبكاؤه
مما يدل على رحمته العظيمة: رِقَّة قلبه وبكاؤه في مواطن كثيرةٍ، ولم يكن النبي يبكي بشهيقٍ ورفع صوتٍ، كما لم يكن ضَحِكُه قهقهةً، ولكن كانت تدمع عيناه حتى تَهْمُلا[52]، ويُسْمَع لصدره أزيزٌ[53].
وكان بكاؤه تارةً رحمةً للميت، وتارةً خوفًا على أُمَّته وشفقةً عليها، وتارةً من خشية الله تعالى، وتارةً عند سماع القرآن، وهو بكاء اشتياقٍ ومحبةٍ وإجلالٍ[54].
رحمته بالأطفال
من رحمته : تَلَطُّفُه بالأطفال، وإدخاله السرور عليهم، فعن محمود بن الرَّبيع قال: عَقَلْتُ من النبي مَجَّةً مَجَّها في وجهي وأنا ابن خمس سنين من دَلْوٍ[55].
وعن أبي هريرة قال: قَبَّلَ رسول الله الحسن بن عليٍّ وعنده الأقرع بن حابسٍ التَّميمي جالسًا، فقال الأقرع: "إنَّ لي عشرةً من الولد ما قَبَّلتُ منهم أحدًا"، فنظر إليه رسول الله ، ثم قال: مَن لا يَرْحَمْ لا يُرْحَمْ[56].
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128].
بارك الله لي ولكم في القرآن والسُّنة، ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه من كل ذنبٍ، إنه هو الغفور الرحيم.
***
الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسانٍ إلى يوم الدين وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
الحَثُّ على الاقتداء بالنبي
عباد الله، اتَّقوا الله تعالى، واقتدوا بنبيكم الكريم الرحيم، فإنَّ الله تعالى أرسله رحمةً للعالمين، كما قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107].
عباد الله، إنَّ العبد المسلم مأمورٌ بالاقتداء بهذا الرسول الرحيم: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب:21].
هذا وصلُّوا على الرحمة المُهْدَاة، كما أمركم الله تعالى بذلك فقال: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56]، وقال النبي : مَن صلَّى عليَّ صلاةً صلى الله عليه بها عشرًا[57].
اللهم صَلِّ وسلِّم وبارك عليه، وارضَ اللهم عن أصحابه: أبي بكرٍ وعمر وعثمان وعليٍّ، وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين، وعنَّا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم أَعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأَذِلَّ الشرك والمشركين، وَاحْمِ حَوزة الدين.
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وجميع ولاة أمر المسلمين.
اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات.
اللهم اغفر لأمواتنا وأموات المسلمين، وأَعِذْهُم من عذاب القبر وعذاب النار برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم إنَّا نسألك الهُدَى والتُّقى، والعفاف والغِنَى، اللهم اهْدِنَا وسَدِّدْنا.
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة:201].
عباد الله، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل:90]، فاذكروا الله العظيم يَذْكُرْكم، واشكروه على نِعَمه يَزِدْكم: وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ [العنكبوت:45].
رابط الخطبة: https://binwahaf.com/ar/speech/762/
| ^1 | ينظر: "تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان" للسعدي: ص532. |
|---|---|
| ^2 | رواه مسلم: 2599. |
| ^3 | رواه الحاكم: 100، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 2345. |
| ^4 | المُقَفِّي: المُوَلِّي الذاهب، يقال: قَفَّى عليه، أي: ذهب به، فكأن المعنى: أنه آخر الأنبياء، فإذا قَفَّى فلا نبيَّ بعده. والمُقَفِّي: المُتَّبِع للنَّبيين. ينظر: "تهذيب اللغة" للأزهري: 9/ 247. |
| ^5 | أي: أُحْشَر أول الناس. ينظر: "فيض القدير" للمناوي: 3/ 45. |
| ^6 | رواه مسلم: 2355. |
| ^7 | ينظر: "المغني" لابن قدامة: 13/ 175- 179. |
| ^8 | ينظر: "تفسير ابن كثير": 1/ 227، و"عناصر القوة في الإسلام" للسيد سابق: ص212. |
| ^9 | رواه البخاري: 3015، ومسلم: 1744. |
| ^10 | الغُلول: الأخذ من الغنيمة قبل قسمتها. ينظر: "المُفهم" للقرطبي: 3/ 512. |
| ^11 | التَّمثيل: التَّشويه بالقتيل؛ كَجَدْع أنفه وأُذُنه، والعَبَث به. ينظر: "المُفهم" للقرطبي: 3/ 512. |
| ^12 | رواه مسلم: 1731. وينظر: "زاد المعاد" لابن القيم: 3/ 99. |
| ^13 | البِرْذَون من الخيل: ما كان من غير نِتَاج العرب، وجمعه: بَرَاذِين. ينظر: "تهذيب اللغة" للأزهري: 15/ 42. |
| ^14 | رواه أبو داود: 2759 واللفظ له، والترمذي: 1580، وصححه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 2464. |
| ^15 | استفهامٌ، أي: فَمُرْنِي بما شئتَ. ينظر: "فتح الباري" لابن حجر: 6/ 316. |
| ^16 | رواه البخاري: 3231، ومسلم: 1795. |
| ^17 | رواه النسائي في "السنن الكبرى": 8534. |
| ^18 | رواه البخاري: 1356. وينظر: "فتح الباري" لابن حجر: 3 /219. |
| ^19 | رواه أبو داود: 3095. |
| ^20 | ينظر: "تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان" للسعدي: ص356. |
| ^21 | ينظر: "تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان" للسعدي: ص659. |
| ^22 | رواه البخاري: 7376، ومسلم: 2319 واللفظ له. |
| ^23 | رواه أبو داود: 4942، والترمذي: 1923، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2261. |
| ^24 | أي: الرَّحم مُشتقَّةٌ من الرحمن، يعني: أنها قرابةٌ من الله مُشتبكةٌ كاشتباك العروق. ينظر: "الصحاح" للجوهري: 5/ 2143. |
| ^25 | رواه أبو داود: 4941، والترمذي: 1924 واللفظ له، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 3522. |
| ^26 | رواه الترمذي: 1919 واللفظ له، وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 2196. |
| ^27 | رواه الترمذي: 1916، وأحمد: 11384 واللفظ له، وصححه مُحققو "المسند". |
| ^28 | رواه مسلم: 2983. |
| ^29 | رواه أحمد: 9018، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2545. |
| ^30 | أي: أُضَيِّقُه وأُحَرِّمُه على مَن ظلمهما. ينظر: "النهاية" لابن الأثير: 1/ 361. |
| ^31 | رواه ابن ماجه: 3678، والنسائي في "السنن الكبرى": 9104، وحسنه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 1015. |
| ^32 | عوان واحدتها: عانية، وهي الأسيرة، يقول: إنَّما هنَّ عندكم بمنزلة الأسرى. ينظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد: 2/ 186. |
| ^33 | رواه الترمذي: 1163، وابن ماجه: 1851 واللفظ له، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1930. |
| ^34 | رواه البخاري: 5353. |
| ^35 | رواه مسلم: 2982. |
| ^36 | رواه النسائي: 1414 واللفظ له، وابن حبان: 6423، وصححه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 1341. |
| ^37 | رواه ابن ماجه: 247، وحسنه الألباني في "صحيح الجامع": 3651. |
| ^38 | رواه البخاري: 3046. |
| ^39 | رواه مسلم: 2568. ومعناه: يَؤُول به ذلك إلى الجنة واجتناء ثِمَارها. ينظر: "المنهاج" للنووي: 16/ 124. |
| ^40 | رواه الترمذي: 969، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3476. |
| ^41 | رواه أبو داود: 3106 واللفظ له، والترمذي: 2083، وصححه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 2719. |
| ^42 | رواه البخاري: 2363، ومسلم: 2244. |
| ^43 | رواه البخاري: 173. |
| ^44 | رواه البخاري: 5515، ومسلم: 1958 واللفظ له. والغَرَض: الهدف الذي يُرْمَى فيه. ينظر: "الصحاح" للجوهري: 3/ 1093. |
| ^45 | الحُمَّرة: طائرٌ صغيرٌ كالعصفور. ينظر: "النهاية" لابن الأثير: 1/ 439. |
| ^46 | أي: تُرفرف. ينظر: "معالم السنن" للخطابي: 2/ 283. |
| ^47 | رواه أبو داود: 2675، وصححه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 2400. |
| ^48 | رواه مسلم: 2117. والوسم: الكيُّ بالنار، وأصله العلامة، يُقال: وَسَمَ الشيء يَسِمُه: إذا أَعْلَمَه بعلامةٍ يُعْرَف بها. ينظر: "المُفهم" للقرطبي: 5/ 437. |
| ^49 | رواه مسلم: 2116. |
| ^50 | الذِّفْري من البعير: مُؤخر رأسه، وهو الموضع الذي يعرق من قفاه. ينظر: "معالم السنن" للخطابي: 2/ 248. |
| ^51 | رواه أبو داود: 2549 واللفظ له، وأحمد: 1754، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2269. وتُدْئِبُه أي: تَكُدُّه وتُتْعِبه. ينظر: "النهاية" لابن الأثير: 2/ 95. |
| ^52 | أي: حتى تفيضا من الدمع. ينظر: "مرقاة الصعود" للسيوطي: 2/ 903. |
| ^53 | يعني: غليان جوفه بالبكاء. ينظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد: 1/ 222. |
| ^54 | ينظر: "زاد المعاد" لابن القيم: 1 /176، و"رحمة للعالمين" للمؤلف: ص83- 93، فقد ذكرتُ فيه ستة عشر موضعًا بكى فيها النبي . |
| ^55 | رواه البخاري: 77 واللفظ له، ومسلم: 33. |
| ^56 | رواه البخاري: 5997 واللفظ له، ومسلم: 2318. |
| ^57 | رواه مسلم: 384. |
نمط النص
محاذاة النص
حجم الخط